قصص اللاجئين | حياة تحت العادية ” عن المصاعب التي يواجهها اللاجئين والمهاجرين للنجاة في المهجر

تشكلت في العقد الحالي من القرن الواحد والعشرين صورة ذهنية في أغلب الأحيان تبدو نمطية عن الهجرة والمهاجرين وبخاصة اللاجئين، صورة من طابقين يتخيلها أهل المهاجر ودائرته القريبة والمتوسطة أن ذاك الذي رحل ما ذهب إلا ليجمع الأموال ويهرب من العيش معهم سعيا لما هو أفضل، وعلى الجانب الأخر في البلد المضيف أو المهجر يبني المهاجر دائرة علاقات جديدة هي الأخرى تُكوِّن صورة ذهنية عن المهاجر ليست هي الأفضل هذا إن لم تكن بقية أطياف من رسائل ساعد في تدشينها وتكوينها الإعلام والصراع السياسي الذي يدخل “عنصر” اللاجئين والمهاجرين فيه لإحراز مكسب إنتخابي لهذا التيار أو ذاك لهذا تتكون تلك الصورة لدى الأخر مشوشة ومعتمة ولكنها في آن متشابهة مع مثيلتها الأولى أن المهاجر ما جاء إلا ليحصد الأموال وفي سعيه هذا من الممكن جدا أن يتضرر هو كمواطن وأحيانا كإنسان.

لأجل أن نتبين كيف هي حياة المهاجر واللاجئ وما الصعوبات التي يواجهها الأشخاص الذين يحملون تلك الصفة ذهبنا لمقابلة م.أ وهو لاجئ مصري مقيم في الجزء الشمالي من أقليم كيونجي بكوريا الجنوبية.

في الطريق إلى بيت السيد م.أ “شاب بمنتصف العقد الرابع” يتأكد السائر أن أهل تلك النواحي يعيشون في فسحة من العيش إذا ما تمت مقارنتهم بأهل العاصمة سيؤول فالشوارع أكثر رحابة وأقل إزدحامًا وهوائها منعش ورطوبتها أقدر على الإحتمال بسبب المساحات الخضراء وقلنا أن البلاد كلها هكذا إلا العاصمة لأسباب يطول شرحها، تفائلنا كثيرة بسبب ذلك وقدرنا أننا سنقابل م.أ وعائلته في بيئة أكثر من مناسبة ولكن ما رأيناه وما سمعناه أختلف تماما عن توقعاتنا.

يروي السيد م.أ عن نفسه وعن عائلته وعن ومضات يعتبرها هو اللحظات التي شكلت حياته وجعلته الشخص الذي أصبح عليه الآن، طالب يدرس بالأزهر تضطره الحياة في بلدته الريفية بمصر إلى التسرب من الدراسة في عمر صغير لكي ينضم لصفوف الأطفال العاملين ويمتهن مهنة الخراطة الميكانيكية، التي ستلازمه مدى حياته والتي سيعول عليها في زواجه وإعالة عائلته التي لم تزد عن فردين “هو وزوجته حتى مُنيا طفلتهما الثانية عام 2015 بعد أن مات لهما طفل أول وهو رضيع.

يستكمل روايته بشكل أكثر تفصيلا لا يخلو من بقية بلاغة وقدرة على سرد التفاصيل ولعل ذلك يرجع إلى تعليمه الأزهرى القاسي حيث تعلم عشرات المواد طوال سنوات أكثرها علوم اللغة والدين وبقية العلوم، لكن لم تؤهله مثابرته على المقاومة في مناخ اقتصادي صعب كمناخ مصر حتى بعد أن تعلم حرفة الخراطة كل ذلك لم يؤهله للنجاة خاصة بعد الصعوبات التي واجهها معظم الناس في مصر بعد ثورة 25 يناير ما أنتهى به في نهاية المطاف إلى السفر للعمل بالخارج في الأردن بنفس المهنة “خراطة” صيانة حفارات آبار المياه.

حاولنا سؤال السيد م.أ عن الأسباب التي دفعته للمجئ لكوريا هو وأسرته وإضطراره لبيع كل أصول العائلة ولكنه أعرض بشكل ملحوظ ورفض رفضًا قاطعًا أن يتناول أي تفصيلة بخصوص أسباب لجوئه أو المشاكل التي تعرض لها في مصر وبرر أن ذلك من شأنه أن يعرضه للخطر هو وأسرته حيث يقول” كل ما يمكنني قوله هو أنني لا أستطيع التحدث … ذلك خطر جدا”.


يسترسل السيد م.أ في حديثه عن المشكلات التي تعرض لها منذ وصوله لكوريا حيث أصيبت أبنته ذات الثلاث سنوات بكسر في القدم ما أضطره للعمل لتوفير مصاريف علاجها فقد توفرت له فرصة يعتبر م.أ جيدة لأنها في نفس مجال معرفته
وهو “صيانة الجرارات الزراعية” لكن تلك الوظيفة لم تكن بعقد مسجل وتسهيلات السكن بها لا تتجاوز علبة الصفيح المسماه ب”كونتينر” بحسب تعبير السيد م.أ
فهي أقرب شبها بال”مايكرويف” حيث أقام بها هو وعائلته طوال فترة الصيف إلا أن صارحه صاحب العمل أنه لن يستطيع مواصلة العمل لأن الموسم أنتهى وجاء الشتاء.

أضطر السيد م.أ للإنتقال لوظيفة أخرى “شركة وجبات غذائية- كاترينج” هو وزوجته وأستقر بها فترة وتحسنت جودة حياتهم مرات حتى ظنا أن الأمر قد أستطاب لهم وأنه لا معاناة بعد اليوم،
ولم يكد يتسلم خطاب رفض إعتباره كلاجئ من قبل الحكومة الكورية إلا وبدأت المشاكل؛ فقد أضطر بطبيعة الحال أن يباشر إجرائات التقاضي في المحكمة لإستكمال قضية لجوئه من هناك ما أضطره كذلك إلى طلب إجازة من مديره المباشر وهو ما أتاح لهذا الشخص “المدير” أن يعرف بكونه “طالب لجوء” وهو ما أعتبره السيد م.أ حالة العنصرية الأكثر وضوحا التي تعرض لها في كوريا حيث بدأ ذلك الرجل سلسلة من الاجرائات وتغير في الطريقة التعامل أنتهت به مطرودا من العمل هو وزوجته بالرغم من أنه لم ينه المدة التي نص عليها العقد ولكنه لم يحتمل البقاء أكثر من ذلك وبالرغم من أن يعتقد أن حقوقه أنتهكت كإنسان أولا ثم كعامل وكأب حيث تعرضت أبنته للإعتداء اللفظي والتعنيف من قبل موظفة بالشركة كما تعرضت أيضا للإحتجاز في أحدى ثلاجات الشركة الضخمة وأختفت بداخلها مدة طويلة أثناء العمل حتى وجدها في النهاية ولحسن الحظ لم تصب بمكروه من درجة الحرارة المنخفضة،

بالرغم من كل تلك الحقائق يقول السيد م.أ أن المحكمة التي رفع أمامها قضية لكي يتحصل على حقوقه ويتشكى من الانتهاكات والعنصرية التي تعرض لها أثناء شغله تلك الوظيفة … المحكمة الكورية لم تجده يستحق التعويض ولم تساعده في نيل حق واحد ويشعر أنه ظلم وأنه عاجز قليل الحيلة أمام هذا النظام الذي لا يعرف عنه شيئا بحكم إختلاف اللغة رغم أن المحامون أكدووا له أنه موقفه أكثر من “جيد”.


أنتقل السيد م.أ إلى عمل أخر في مصنع ملابس وتناسى ما فات وحاول أن يستعيد حياته مجددا لكنه ذات يوم شعر بألم رهيب أسفل ظهره ما دفعه لترك العمل والتوجه فورا لأقرب مستشفى، ما جعله يكتشف أنه يعاني تآكلا في فقرات الظهر مصاحبة بإلتهاب وبروز لسائل الغضروف يقول طبيبه عن ذلك أنه جراء العمل الشاق والمتكرر لفترات طويلة ما أدى في النهاية لدخزله غرفة العمليات عدة مرات وبقائه في غرفة العناية مدة قاربت الثلاثة أشهر لم يعرف كيف تمكن من خلالها تدبير مصاريف العمليات الجراحية والدواء والإقامة في المستشفى وبسؤاله عن مدى مساهمة صاحب العمل في علاجه قال أنهم أرسلوا مليون وون كوري مقابل التوقيع على وثيقة أنهم لا علاقة لهم بالإصابة التي حدثت له!!.

يحكى السيد م.أ كيف كان تعامل مكتب الهجرة معه أثناء مرضه حتى أنهم لم يقبلوا مخاطبة المستشفى التي تفيد بعجزه عن الحضور لتجديد الإقامة ما أضطره للذهاب بمساعدة زوجته وبمشقة بالغه.

بعد أن مكثنا مدة جاوزت الساعة في بيت السيد م.أ وشعرنا بألفة مع المكان الذي يعد أقرب للبيوت المصرية منه إلى الكورية حاولنا أن نسأله أكثر عن أسرته ولماذا زوجته ليست موجودة ولماذا لا تذهب طفلته إلى المدرسة فقال أن زوجته متواجده بالمستشفى لترعى أبنهما الأخر حديث الولادة في الحضانة،
حسب ما فهمنا منه فإن طفلهما ولد منذ أسابيع بعيوب خلقية مستعصية تستدعى رعاية طبية فائقة وتستدعى كذلك بقاء زوجته في المستشفى دوما،
وأشار أيضا إلى صعوبة إستخراج أوراق لطفلهما المولود في كوريا حيث أن الجميع يرفض ومكتب الهجرة لا يملك إلا سؤالا واحدا أين الباسبور ؟!
فيرد السيد م.أ كيف ونحن لاجئون؟! وهكذا تنتهى مساعي الأب في استخراج أوراق ثبوتية لطفله.

في النهاية وجهنا سؤالنا له في محاولة لفهم رؤيته كمهاجر أولا وكلاجئ في بلد مثل كوريا فكان السؤال “لماذا برأيك حدث كل هذا لك وكيف هو الحل لكل تلك المشاكل؟!”

كان رده بديهيا ومفاجئا أكثر من اللازم فقد أجاب ” أن كل ما حدث لي ولأسرتى كان فقط لأننا لا نتمتع بالاحترام الكافي لا في العمل ولا الشارع ولا في الأماكن الحكومية مثل مكتب الهجرة واللجوء
لا أحد يحترمنا لأننا في نظرهم طالبي لجوء ولأن صفة الإقامة التي نملكها “g-1” تعنى أن حاملها يمكن جدا أن يتعرض للعنصرية والاضطهاد والعزل و الإستغلال وأن هذا معروف ومعمول به في كل مكان في البلاد حتى شركات المحمول ترفض أن تعطيه الخدمة على هاتفه بسبب نوع الفيزا.
أما عن الحل فكان جوابه الفوري أن الحكومة هي التي تملك الحل، الحكومة الكورية ووزارة العدل إذا احترمتنا فسيحترمنا بقية الناس وإذا أعطتنا فيزا ذات قيمة وإحترام أو حتى غيرت شروط الفيزا الحالية فسيحترمنا الجميع ولن يعاملنا كمشردين أو هاربين من العدالة ويقدرنا الناس لما نبذله من جهد و لإجادتنا في عملنا لا بسبب نوعية الرموز التي نحملها على بطاقة تعريف الأجانب الكورية

 

كتبه | عبدالله ابراهيم

صور | مصعب درويش

목록으로
메뉴, 검색 닫기